تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥١ - شك و تحقيق
بحسب روحه الذي هو من عالم النّور ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ بإفساد الاستعداد الروحاني بالكفر و متابعة الهوى و الطاغوت إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [٩٥/ ٤- ٦].
شكّ و تحقيق
و لك أن تقول: إن الإنسان بحسب أصل فطرته و أول خلقته لا يخلوا إما أن يكون نورانيا أو ظلمانيا، فإن كان الأول فما معنى قوله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ؟ حيث لم يكن في ظلمة أصلا- لا بحسب الواقع و لا بحسب الفطرة الأصلية كالمؤمنين الذين ما كانوا كفارا قط؟ و إن كان الثاني فما معنى قوله تعالى: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ؟
فنقول: اعلم انّ الإنسان لكونه مركّبا من عالمي الأمر و الخلق فله فطرتان: إحداهما روحانيّ نوراني علوي من عالم الأمر و هو الملكوت الأعلى، و ثانيتهما نفس ظلمانيّة سفليّة من عالم الخلق، و لكل منهما نزاع و شوق إلى عالمه. فقصد الروح و ميله و رغبته و شوقه أبدا إلى عالمه و هو جوار رب العالمين و مصاحبة المقدسين، و ميل النفس و قصدها إلى عالمها و هو أسفل السافلين و غاية البعد عن الحق.
و بين النفس و الروح تجاذب و تنازع و تقالب و تقاوم، كل منهما يريد أن يسخر صاحبه و يستخدمه و يستعبده في تحصيل مآربه و مطالبه.
و لكلّ منهما أولياء و جنود: فوليّ الروح هو اللّه، و جنوده أحزاب الملائكة- و هي المعارف و الأخلاق الحسنة و القوى الروحانية- و وليّ النفس الطاغوت، و جنوده الجهالات و الصفات الذميمة و القوى النفسانية، و المحاربة و المطاردة قائمة بينهما في معركة القلب الإنساني إلى أن ينفتح القلب لأحدهما